الأكل والشرب ضرورة حياتية، لكن الإسلام جعلهما عبادة إذا التزم العبد بآدابهما. إن اتباع هدي النبي ﷺ في الطعام والشراب ليس مجرد عادات، بل هو طريق للبركة والصحة والثواب. في هذا المقال، نستعرض أهم آداب الأكل والشرب في الإسلام استناداً إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، مع نصائح عملية لتطبيقها في حياتنا اليومية.
التسمية والأكل باليمين: أساس البركة
يبدأ أدب الطعام والشراب في الإسلام بالتسمية قبل الشروع في الأكل. قال النبي ﷺ للغلام عمر بن أبي سلمة: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». هذه الوصية النبوية تجمع بين ثلاثة آداب عظيمة: ذكر الله، واستعمال اليد اليمنى، والأكل مما يلي الشخص.
أما الأكل بالشمال، فقد حذر منه النبي ﷺ بقوله: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ». وهذا تأكيد على مخالفة الشيطان في كل شيء، حتى في الهيئة.
وقد كان النبي ﷺ يأكل بثلاث أصابع، وإذا فرغ لعقها، كما في الحديث: «رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأكلُ بثلاثِ أَصَابِعَ، فإذا فَرَغَ لَعِقَهَا». وهذا من تمام البركة وعدم إهدار الطعام.
فضل التسمية قبل الأكل
التسمية (قول « بسم الله ») تبارك الطعام وتطرده من الشيطان. وقد ورد أن من نسي التسمية في أوله فليقل « بسم الله أوله وآخره ». ولهذا يحرص المسلم على تسمية الله قبل كل طعام وشراب.
النهي عن الشرب قائماً والأكل متكئاً
من الآداب المهمة في الشرب أن يكون الإنسان جالساً، فقد نهى النبي ﷺ عن الشرب قائماً. قال ﷺ: «لا يشربَنَّ أحدٌ منكم قائما». وفي رواية أخرى: «أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم زَجَرَ عن الشُّرْبِ قائمًا». بل إن الأمر شديد حتى قال: «فمن نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» أي فليتقئ ما شرب.
أما الأكل متكئاً، فكان النبي ﷺ يرفضه، كما قال: «لا آكُلُ وأنا مُتَّكِئ». والاتكاء هنا هو الميل على أحد الشقين أو الاعتماد على اليد، وهي هيئة تدل على التكبر أو الإسراف في التمتع.
ومع ذلك، ورد أن الصحابة كانوا يأكلون وهم يمشون ويشربون وهم قيام في بعض الأحوال، كما في الحديث: «كُنَّا على عَهْدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَأْكُلُ ونحنُ نَمْشِي، ونَشْرَبُ ونحنُ قِيَامٌ». وهذا يدل على جواز ذلك عند الحاجة أو الضرورة، لكن الأفضل والأكمل هو الجلوس.
عدم الإسراف والاقتصاد في الطعام
الإسراف في الطعام والشراب منهي عنه في القرآن الكريم. قال الله تعالى: «۞ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ». فالآية تأمر بالأكل والشرب لكنها تنهى عن الإسراف، سواء كان ذلك في الكمية أو في التنوع أو في التبذير.
والمراد بالإسراف هنا تجاوز الحد في الحلال، كأن يأكل الإنسان أكثر من حاجته، أو يلقي الطعام الزائد، أو ينفق مالاً كثيراً على الطعام دون حاجة. وقد قال النبي ﷺ: « ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ».
وقد أمر الله بأكل الحلال الطيب، قال تعالى: «وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ». وهذا يشمل أن يكون الطعام حلالاً في ذاته، طيباً في نوعه، غير ضار بالجسم.
الاعتدال في الطعام صحة للجسد
الاعتدال في تناول الطعام يحمي من الأمراض ويمنح الجسم نشاطاً. وقد أثبت العلم الحديث أن الإسراف في الطعام يؤدي إلى السمنة وأمراض القلب والسكري، مما يؤكد حكمة الشريعة في النهي عنه.
الأكل الجماعي وآداب المجالسة
من السنة الأكل مع الجماعة، فقد قال الله تعالى: «لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا»، مما يدل على جواز الأمرين، لكن الأكل الجماعي أكثر بركة. وكان النبي ﷺ يأكل مع أصحابه.
ومن آداب المجالسة على الطعام: الأكل مما يلي الشخص، وعدم مد اليد إلى ما أمام الآخرين. وقد علم النبي ﷺ ذلك الغلام بقوله: «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».
كما يستحب أن يبدأ الطعام بذكر الله، ويختم بحمده. ويستحب أيضاً غسل اليدين قبل الطعام وبعده، والمضمضة بعد الأكل.
شكر النعمة والثناء على الله
بعد الانتهاء من الطعام، يحمد المسلم ربه على ما رزقه. وقد وعد الله المؤمنين في الجنة بأنهم يأكلون ويشربون هنيئاً بما أسلفوا من عمل صالح، قال تعالى: «كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ»، وقال أيضاً: «كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».
وشكر النعمة يكون بالقلب اعترافاً، وباللسان حمداً، وبالجوارح طاعة. ومن شكر الطعام ألا يكفر به، بل يستعمله في طاعة الله.
ويمكن للمسلم أن يستعين بالأدعية المأثورة بعد الطعام، مثل « الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ». ويمكنه الاطلاع على مجموعة الأدعية في تطبيق المسلم بلس.
الأسئلة الشائعة
ما حكم الأكل باليد اليسرى؟
الأكل باليد اليسرى مكروه بل محرم عند بعض العلماء، لأن النبي ﷺ أمر بالأكل باليمين ونهى عن الشمال، وقال إن الشيطان يأكل بشماله. ويستثنى من ذلك من كان له عذر كمرض أو إصابة.
هل يجوز الشرب قائماً؟
الأفضل والأكمل أن يشرب الإنسان جالساً، فقد نهى النبي ﷺ عن الشرب قائماً. لكن يجوز عند الحاجة أو الضرورة، كما كان الصحابة يشربون قياماً أحياناً.
ما معنى الأكل مما يلي الشخص؟
معناه أن يأكل الإنسان من الطعام الذي أمامه مباشرة، ولا يمد يده إلى ما أمام غيره. وهذا من حسن الأدب، وقد علمه النبي ﷺ للغلام بقوله: «وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».
هل يجب غسل اليدين قبل الأكل؟
غسل اليدين قبل الأكل مستحب، خاصة إذا كان الطعام يؤكل باليد. وهو من النظافة التي أمر بها الإسلام. وقد كان النبي ﷺ يغسل يديه قبل الطعام.
ما حكم الأكل متكئاً؟
الأكل متكئاً مكروه، لأن النبي ﷺ قال: «لا آكُلُ وأنا مُتَّكِئ». والاتكاء هنا هو الميل على أحد الشقين أو الاعتماد على اليد، وهي هيئة تشبه المتكبرين.
ما هو دعاء الأكل في الإسلام؟
يبدأ الأكل بقول « بسم الله »، فإن نسي في أوله قال « بسم الله أوله وآخره ». وبعد الفراغ يقول « الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين » أو « الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ».
هل الإسراف في الطعام حرام؟
نعم، الإسراف في الطعام محرم بنص القرآن: «وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ». والإسراف يشمل الإكثار فوق الحاجة ورمي الطعام.
ما هي فوائد آداب الأكل الإسلامية؟
آداب الأكل الإسلامية تجلب البركة في الطعام، وتحقق الصحة البدنية، وتبعث على النظافة، وتزيد الإيمان من خلال ذكر الله، وتعزز الأخلاق الحميدة كالتواضع والشكر.
إن آداب الأكل والشرب في الإسلام ليست مجرد طقوس، بل هي منهج حياة يربط المسلم بربه في كل لحظة. بالتسمية، والأكل باليمين، والجلوس، وعدم الإسراف، يتحول الطعام إلى عبادة. نسأل الله أن يرزقنا البركة في أرزاقنا، وأن يعيننا على اتباع هدي نبيه ﷺ. لمعرفة المزيد عن آداب الإسلام وتطبيقاتها العملية، يمكنك الاطلاع على الأدعية والقرآن الكريم في تطبيق المسلم بلس، وحمل التطبيق للاستفادة من جميع الميزات.
Sources vérifiées
Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).
- Sourate Al-Haaqqa, verset 24
- Sourate Al-A’raaf, verset 31
- Sourate Al-Maaida, verset 88
- Sourate At-Tur, verset 19
- Sourate An-Noor, verset 61
- Hadith n°4948 (Narrated by Ibn Majah – Narrated by At-Termedhy – Narrated by Ahmad) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°58120 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°5349 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°4298 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°58119 (Narrated by Bukhari) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°5450 (Muslim with its two versions) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°58122 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
