الطعام والشراب من نعم الله العظيمة على عباده، وقد شرع الإسلام آداباً عظيمة لهذه النعمة لتعظيمها وشكر المنعم بها. هذه الآداب المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية تجعل من لحظة الأكل عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، وتنعكس بركتها على حياته وطعامه. في هذا المقال نستعرض أهم آداب الأكل والشرب في الإسلام بأسلوب عملي.
1. التسمية والأكل باليمين: أساس الآداب
يبدأ الأدب النبوي قبل تناول الطعام بالتسمية، أي قول « بسم الله »، ثم الأكل باليد اليمنى. وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله». ويؤكد هذا المعنى حديث آخر عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فهذه التوجيهات النبوية تجمع بين التسمية والأكل باليمين والأكل مما يلي الشخص، وهي آداب سهلة التطبيق تبارك الطعام وتبعده عن وسوسة الشيطان.
التسمية: بركة الطعام
التسمية عند بداية الأكل أو الشرب هي أولى خطوات الأدب الإسلامي. فقد أمر الله المؤمنين بأن يأكلوا من الطيبات ويشكروه، قال تعالى: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» (سورة البقرة، الآية 172). والتسمية هي أولى صور الشكر العملي، فهي تذكر العبد بأن ما يأكله هو رزق من الله، وتطرد الشيطان عن الطعام. وقد جرت عادة السلف أن يذكروا اسم الله قبل الطعام، حتى في أبسط الوجبات.
الأكل باليمين: مخالفة للشيطان
الأكل والشرب باليد اليمنى من شعائر الإسلام الظاهرة. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله في الحديث الذي رواه مسلم: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله». ففي هذا الحديث دليل على أن استعمال اليسار في الأكل والشرب من فعل الشيطان، فينبغي للمسلم أن يخالفه ويستعمل اليمين. ومن نسي أو تعذر عليه الأكل باليمين لعذر فلا حرج، لكن الأصل هو اليمين.
2. آداب الشرب: النهي عن الشرب قائماً
للشرب آداب خاصة في الإسلام، منها النهي عن الشرب قائماً. فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يشربَنَّ أحدٌ منكم قائما». وفي رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً، وفي رواية: «لا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ منكم قَائِمًا، فمن نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ». وقد حمل العلماء هذا النهي على كراهة التنزيه، وأن الشرب قاعداً أفضل وأكمل. ويستثنى من ذلك ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنهم كانوا يشربون وهم يمشون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: «كُنَّا على عَهْدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَأْكُلُ ونحنُ نَمْشِي، ونَشْرَبُ ونحنُ قِيَامٌ». فيفهم من ذلك أن الأصل هو القعود، وأن الشرب قائماً جائز مع كراهته.
التنفس ثلاثاً في الشرب
من آداب الشرب أيضاً أن يتنفس الشارب ثلاثاً، أي يشرب جرعة ثم يبتعد عن الإناء ويتنفس، ثم يعود ليشرب جرعة أخرى، وهكذا. وقد ورد هذا الفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أهنأ وأمرأ وأبرأ من العطش. كما يُستحب ألا يتنفس في الإناء نفسه، بل يبعده عن فمه.
البدء باليمين في السقيا
إذا كان الشخص ساقياً للقوم، فمن السنة أن يشرب آخرهم، كما ورد عن أبي قتادة الأنصاري وابن أبي أوفى رضي الله عنهما مرفوعاً: «سَاقِي القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا». وهذا من التواضع والإيثار، حيث يبدأ القوم بالشرب ثم يشرب الساقي بعدهم.
3. الأكل من الطيبات وشكر النعمة
حث الإسلام على الأكل من الطيبات الحلال، وشكر الله على هذه النعمة. قال تعالى: «وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ» (سورة المائدة، الآية 88). فالطعام الطيب هو الحلال الجيد النافع للجسم، والحرام خبيث لا خير فيه. كما أن الأكل من الطيبات يوجب شكر المنعم، والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. ومن صور الشكر الحمد بعد الطعام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمد الله بعد الأكل. وفي الآخرة يقال لأهل الجنة: «كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ» (سورة الحاقة، الآية 24)، فهذا جزاء الشكر في الدنيا.
تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه
من الآداب المهمة أن لا يأكل المسلم مما لم يذكر اسم الله عليه، كالذبائح التي لم تذبح على الطريقة الإسلامية. قال تعالى: «وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» (سورة الأنعام، الآية 121). فالذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها تعتبر ميتة محرمة، وأكلها فسق.
الأكل مع الجماعة: بركة واجتماع
الأكل مع الجماعة من السنن التي تزيد البركة. وقد أباح الله الأكل معاً أو فرادى، قال تعالى: «لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا» (سورة النور، الآية 61). والأكل مع الجماعة يجمع القلوب ويبارك الطعام، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفضل الأكل مع أصحابه.
4. التواضع في الأكل والشرب
التواضع من صفات المؤمنين، ويتجلى في الأكل والشرب بعدة صور: منها عدم الإسراف، وعدم التكبر في الأكل، وعدم عيب الطعام. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع، ويلعقها بعد الانتهاء، كما ورد عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها. وهذا يدل على التواضع والاقتصاد في الأكل، وعدم الإسراف. كما أن لعق الأصابع من السنة لما فيه من حفظ النعمة. والمسلم مأمور بالاعتدال في الأكل والشرب، فلا يملأ بطنه، بل يقسمها ثلثاً للطعام وثلثاً للشراب وثلثاً للنفس.
عدم الإسراف
الإسراف في الطعام والشراب مذموم في الإسلام، وقد قال تعالى: «كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ» (من سورة الأعراف، الآية 31). فالإسراف يذهب البركة ويضر بالصحة. ومن التواضع أن يقتصد المسلم في طعامه وشرابه، وألا يتكلف ما لا يحتاج.
شكر النعمة بالحمد والدعاء
بعد الانتهاء من الطعام، يُستحب حمد الله والثناء عليه. فمن دعا بدعاء الحمد بعد الطعام غفر له. ومن الأدعية المأثورة: « الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ». والشكر يزيد النعمة، كما قال تعالى: «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (سورة إبراهيم، الآية 7).
5. أحكام خاصة بالطعام والشراب
للطعام والشراب أحكام تتعلق بالحلال والحرام، وبكيفية الذبح، وبما يستحب وما يكره. وقد بين الله لنا الطيبات والمحرمات في كتابه، قال تعالى: «يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ» (سورة المائدة، الآية 4). فما صاده كلب الصيد المدرب جائز أكله إذا ذكر اسم الله عليه. كما أن الذبائح التي تذبح على غير الطريقة الإسلامية لا يجوز أكلها. ومن الأحكام أيضاً أن شرب الخمر محرم، وكذلك كل مسكر. ويجب على المسلم أن يتحرى الحلال الطيب في طعامه وشرابه.
الذبائح والطعام الحلال
يشترط في الذبيحة أن تذبح على الطريقة الإسلامية: أن يكون الذابح مسلماً أو كتابياً (يهودياً أو نصرانياً) يذبح بالطريقة المشروعة، وأن يذكر اسم الله عليها، وأن تنهر الدم. والذبائح التي تذبح لغير الله أو تموت دون ذبح محرمة.
الطعام في الجنة: نعيم الأبرار
وعد الله الأبرار في الجنة بطعام وشراب لذيذ، قال تعالى: «إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍۢ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا» (سورة الإنسان، الآية 5). ويقال لهم: «كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (سورة الطور، الآية 19). فهذا الجزاء لمن اتقى الله وأطاعه في الدنيا.
6. تطبيق الآداب في الحياة اليومية
يمكن للمسلم أن يطبق هذه الآداب بسهولة في حياته اليومية، بدءاً من التسمية عند كل وجبة، والأكل باليمين، والشرب قاعداً، والحمد بعد الطعام. كما يمكن الاستفادة من تطبيقات مثل تطبيق المسلم بلس الذي يقدم أدعية مأثورة وأذكاراً متنوعة، منها أدعية قبل الطعام وبعده، بالإضافة إلى محتوى إسلامي شامل من قرآن وأحاديث وأدعية. كما يمكن استخدام عدّاد التسبيح للتسبيح بعد الأكل، ومتابعة الصلوات للحفاظ على العبادات اليومية. كل هذه الأدوات تساعد على ترسيخ الآداب الإسلامية في الحياة.
الأسئلة الشائعة
ما هي السنة عند بداية الأكل؟
السنة أن يسمي الله بقول « بسم الله » قبل الأكل، ويأكل بيمينه، ويأكل مما يليه. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
هل يجوز الشرب قائماً في الإسلام؟
النهي عن الشرب قائماً ورد في أحاديث صحيحة، لكن جمهور العلماء يرون أن النهي للكراهة، والأفضل الشرب قاعداً. ويجوز الشرب قائماً عند الحاجة أو النسيان، وقد ورد أن الصحابة كانوا يشربون وهم يمشون أحياناً.
ما حكم الأكل بالشمال؟
الأكل بالشمال مكروه عند الجمهور، والأصل أن يأكل المسلم بيمينه. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله».
هل يجب غسل اليدين قبل الأكل؟
غسل اليدين قبل الأكل مستحب وليس واجباً، خاصة إذا كانت اليد نظيفة. لكنه من النظافة التي يحبها الإسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل يديه قبل الطعام.
ما الدعاء الذي يقال بعد الأكل؟
من الأدعية المأثورة بعد الأكل: « الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة »، و »الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ».
هل يجوز الأكل والشرب في نهار رمضان ناسياً؟
من أكل أو شرب ناسياً في نهار رمضان فصيامه صحيح، وعليه أن يكمل صيامه. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».
ما حكم الأكل من طعام غير المسلمين؟
يجوز الأكل من طعام أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إذا كان حلالاً، كالخبز والفواكه والخضروات. أما اللحوم فلا تؤكل إلا إذا ذبحت على الطريقة الإسلامية أو كانت من ذبائح أهل الكتاب.
هل هناك آداب خاصة للشرب من زمزم؟
نعم، يستحب عند شرب ماء زمزم أن يستقبل القبلة، ويسمي الله، ويشرب على ثلاث دفعات، ويتضلع منه، ويدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة.
آداب الأكل والشرب في الإسلام ليست مجرد عادات، بل هي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وتزيد البركة في الطعام، وتنعكس على صحة المسلم وسلوكه. بالتزام هذه السنن البسيطة، يتحول الطعام من مجرد حاجة جسدية إلى طاعة روحية. ندعوك لتحميل تطبيق المسلم بلس للاستفادة من محتواه الإسلامي الغني، بما في ذلك الأدعية والأذكار اليومية التي تعينك على تطبيق هذه الآداب.
Sources vérifiées
Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).
- Sourate Al-Maaida, verset 88
- Sourate Al-Maaida, verset 4
- Sourate Al-Haaqqa, verset 24
- Sourate At-Tur, verset 19
- Sourate Al-Baqara, verset 172
- Sourate An-Noor, verset 61
- Sourate Al-Insaan, verset 5
- Sourate Al-An’aam, verset 121
- Hadith n°5356 (رواه مسلم) — grade : صحيح
- Hadith n°58120 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°4948 (Narrated by Ibn Majah – Narrated by At-Termedhy – Narrated by Ahmad) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°5349 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°58122 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°4298 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°5450 (Muslim with its two versions) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°4299 (Narrated by Abu Daoud – Narrated by Ahmad – Narrated by Muslim) — grade : Sahih/Authentic with its two versions
