بر الوالدين وصلة الرحم في الإسلام: فضلهما وأحكامهما

بر الوالدين وصلة الرحم في الإسلام: فضلهما وأحكامهما

Al muslim-
جميع المقالات

كثير منا يظن أن بر الوالدين يقتصر على طاعتهما وتلبية طلباتهما، وأن صلة الرحم تعني الزيارات الدورية في الأعياد والمناسبات. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إن بر الوالدين وصلة الرحم في الإسلام ليسا مجرد سلوكيات اجتماعية، بل هما عبادة عظيمة تتعلق بحسن الخلق مع الله ومع الناس، ولها أثر كبير في الرزق والعمر والبركة. فما هي حقيقة هذه العبادة؟ وكيف نؤديها على الوجه الذي يرضي الله؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.

بر الوالدين فريضة قرنها الله بعبادته

يأتي الأمر ببر الوالدين في القرآن الكريم مقروناً بالتوحيد والنهي عن الشرك، مما يدل على منزلتهما الرفيعة. يقول الله تعالى: « ۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا » (سورة الإسراء، الآية 23).

هذه الآية ترسم منهجاً كاملاً: الإحسان إلى الوالدين ليس خياراً، بل قضاء من الله، ويشمل حتى الكلمة الطيبة وعدم التأفف منهما، فكيف بمن يرفع صوته عليهما أو يسيء إليهما؟ إن الله يريد منا أن نكون في غاية اللطف والرحمة معهما، خاصة عند الكبر، حين يحتاجان إلى من يهتم بهما.

الأم لها الأولوية في البر

إذا سألت نفسك: من أحق بحسن الصحبة والبر؟ فإن الجواب واضح في حديث النبي ﷺ: «عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ».» (رواه أبو داود والترمذي وأحمد).

فالأم لها ثلاثة أضعاف حق الأب في البر، وذلك لما تعانيه من مشقة الحمل والرضاع والتربية. وقد وصى الله بها في آية أخرى: « وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ » (سورة لقمان، الآية 14).

فلا تنسَ فضل أمك، وأكثر من الدعاء لها، وأحسن إليها في كل وقت، فذلك من أعظم القربات.

صلة الرحم مفتاح الرزق والبركة

لصلة الرحم أثر عظيم في حياة المسلم، فهي سبب لسعة الرزق وطول العمر. فقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (رواه البخاري ومسلم).

فمن رزقه ضيق، أو عمره قصير، فليحرص على صلة رحمه، فإنها تجلب البركة وتفتح أبواب الخير. والصلة ليست مجرد رد الجميل، بل هي أن تصل من قطعك، كما قال النبي ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا». (رواه البخاري).

كيف تصل رحمك؟

تتعدد صور صلة الرحم: الزيارة، والاتصال، والسؤال عن الأحوال، والمساعدة المادية، والدعاء لهم، وحتى الابتسامة في وجوههم. ويمكن أن تكون الصلة بالمال أو بالجهد أو بالكلمة الطيبة. وقد كان النبي ﷺ يحث على ذلك حتى مع غير المسلمين من الأقارب، ما داموا لم يقاتلوك في الدين.

بر الوالدين بعد وفاتهما

لا ينتهي بر الوالدين بوفاتهما، بل يستمر بالدعاء لهما، والاستغفار لهما، والصدقة عنهما، وإكرام أصدقائهما، والوفاء بعهودهما. وقد دل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما حين لقيه أعرابي في الطريق فأكرمه، وقال: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُل أَهْلَ وُدِّ أَبِيه». (رواه مسلم).

وقد قال الله تعالى: « وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ » (سورة الأحقاف، الآية 15).

فعلينا أن نكثر من الدعاء لهما في حياتنا وبعد مماتهما، وأن نستمر في الإحسان إليهما بكل وسيلة ممكنة.

طاعة الوالدين في حدود الشرع

طاعة الوالدين واجبة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإذا أمر الوالدان بمعصية، فلا يطاعان، ولكن يجب مع ذلك عدم الإساءة إليهما، بل يُلاطفان ويُدارى الأمر بلطف. قال الله تعالى: « وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًۭا ۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ » (سورة العنكبوت، الآية 8).

فالبر لا يعني الخضوع في الحرام، ولكن يعني الأدب والرحمة، حتى في الاختلاف. وقد ضرب الله مثلاً في القرآن لابن نوح عليه السلام الذي عصى أباه، فكان عاقبته الهلاك، بينما مدح يحيى عليه السلام بقوله: « وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّۭا » (سورة مريم، الآية 14).

التحذير من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم

العقوق وقطيعة الرحم من كبائر الذنوب، وقد توعد الله فاعله بالعذاب الأليم. ففي القرآن الكريم يذم الله من يقول لوالديه: « وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّۢ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ » (سورة الأحقاف، الآية 17).

كما أن قطيعة الرحم تمنع دخول الجنة، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ آخذةٌ بحُجْزَةِ الرَّحمنِ، يَصِلُ مَن وَصَلَها، ويقطعُ مَن قَطَعَها». (رواه أحمد).

فاحذر أن تكون سبباً في قطع رحمك، أو أن تعق والديك، فذلك من أعظم أسباب الشقاء في الدنيا والآخرة.

أسئلة شائعة حول بر الوالدين وصلة الرحم

ما الفرق بين بر الوالدين وصلة الرحم؟

بر الوالدين خاص بالأب والأم، ويشمل الإحسان إليهما وطاعتهما في المعروف، بينما صلة الرحم عامة تشمل جميع الأقارب من جهة الأب والأم، وتكون بالزيارة والهدية والمساعدة والدعاء.

هل تجب طاعة الوالدين في كل شيء؟

طاعة الوالدين واجبة في المعروف، ولا طاعة لهما في معصية الله، لكن يجب عدم الإساءة إليهما حتى في حالة الرفض، بل يلاطفان ويُدارى الأمر برفق.

كيف أبر والديّ بعد وفاتهما؟

بعد وفاتهما، يستمر البر بالدعاء لهما، والاستغفار، والصدقة عنهما، وإكرام أصدقائهما، والوفاء بعهودهما، وصلة أهل ودهما.

ما هي صور صلة الرحم؟

من صور صلة الرحم: الزيارة، والاتصال، والسؤال عن الأحوال، ومساعدة المحتاج منهم، والدعاء لهم، وإدخال السرور عليهم، والتسامح معهم.

إن بر الوالدين وصلة الرحم من أعظم القربات إلى الله، وهما سبب للرزق والبركة وطول العمر، وفيهما رضا الله ورضا الناس. فلنحرص على هذه العبادة العظيمة في كل وقت، ولنعلم أن من أحسن إلى والديه وأقاربه، أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة. لنسارع إلى تطبيق هذه التعاليم في حياتنا، ولنستعن بالله على ذلك. ولتكن لنا في ذلك نية صالحة، ولنذكر أن الله يراقبنا ويعلم ما نخفي وما نعلن. نسأل الله أن يرزقنا البر والتقوى، وأن يوفقنا لصلة أرحامنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

حمّل تطبيق المسلم بلس الآن


Sources vérifiées

Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).

  • Sourate Al-Israa, verset 23
  • Sourate Luqman, verset 14
  • Sourate Al-Ankaboot, verset 8
  • Sourate Al-Ahqaf, verset 15
  • Sourate Maryam, verset 14
  • Sourate Al-Ahqaf, verset 17
  • Hadith n°5372 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°3493 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°3854 (Narrated by Bukhari) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°58188 (Narrated by Abu Daoud & At-Termedhy & Ahmad) — grade : Good hadith
  • Hadith n°8283 (Narrated by Ahmad) — grade : Authentic hadith

شارك هذا المقال

اكتشف أدواتنا الإسلامية

استكشف موارد المسلم بلس المجانية لإثراء ممارستك اليومية

تطبيق مجاني 100%

انضم إلى أكثر من 50,000 مسلم

حمّل مجاناً ولا تفوت أي صلاة بعد الآن