إذا قطعك قريب أو أساء إليك، فلا يلزم أن ترد القطيعة بمثلها، ولا أن تتيح له إيذاءك بلا حدود. صلة الرحم تعني أن تبادر بما تستطيع من تواصل وإحسان، مع اختيار وسيلة آمنة تناسب حال العلاقة؛ فقد تكون زيارة، وقد تقتصر على السلام أو السؤال أو المساعدة عند الحاجة. والمقصود أن تحفظ الصلة من غير أن تجعل دفع الضرر مستحيلًا.
ماذا تعني صلة الرحم حين يقطعك قريبك؟
صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب والتواصل معهم بما يعدّه العرف صلة، وليست مجرد معاملة القريب بالمثل. فمن لا يتواصل إلا حين يتواصل الآخر معه يبادل المعاملة، أما الواصل فيبادر بالصلة ولو قصّر قريبه. قال النبي ﷺ: «عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».» (رواه البخاري).
كيف تصل قريبك من غير أن تفرض عليه التواصل؟
ابدأ بوسيلة بسيطة لا تضغط على قريبك: سلام برسالة، سؤال عن حاله، تهنئة في مناسبة، أو اتصال قصير. وإذا تقبّل التواصل، أمكن أن تعرض الزيارة أو المساعدة. لا تجعل الصلة اختبارًا لردّه؛ فالمبادرة منك، أما استجابته فليست تحت سيطرتك. ويمكنك البحث في أحاديث صلة الرحم للتوسع في النصوص المتعلقة بهذا الباب.
اختر وسيلة تناسب العرف والقدرة
ما يعدّ صلة يختلف باختلاف العرف، ودرجة القرابة، والظروف، والقدرة؛ فصلة الوالدين ليست كصلة قريب بعيد، والتواصل المنتظم قد يكون ممكنًا مع شخص ولا يناسب آخر. لذلك لا يلزم أن تكون الصلة زيارة متكررة: قد تكفي رسالة أو مكالمة بين حين وآخر، أو سؤال عن طريق قريب موثوق، أو مساعدة عملية عند الحاجة. وللتعرف إلى صور الصلة وأحكامها عمومًا، راجع أحكام صلة الرحم في الإسلام.
متى تكون المسافة وسيلة لدفع الأذى لا قطيعة؟
المبادرة بالصلة لا تعني قبول الإهانة أو تعريض نفسك لخطر متكرر. إذا كانت الزيارة أو المكالمة تؤدي إلى أذى حقيقي، فيمكن تقليل الاحتكاك واختيار تواصل أقل ضررًا، مثل رسالة مقتضبة أو الاطمئنان من خلال وسيط مأمون. الفارق أن الابتعاد هنا لدفع الضرر، لا لمجرد معاقبة القريب أو ردّ القطيعة بمثلها.
حافظ على قدر آمن من التواصل
قد يكون الحد المناسب هو السلام في المناسبات، أو السؤال من بعيد، أو الاقتصار على ما تدعو إليه حاجة عائلية، مع تجنب الخلوة أو اللقاء الذي يتكرر فيه الأذى. وإذا كان هناك تهديد أو اعتداء، فسلامتك مقدّمة، واطلب العون ممن يستطيع حمايتك. تختلف تفاصيل التعامل باختلاف نوع الضرر ودرجته؛ ويمكن الاطلاع على فتوى ماذا يفعلون في أقارب يؤذونهم؟ هل يهجرونهم؟ لفهم صور المسألة، أما الحالة الشخصية المعقدة فيُسأل عنها عالم موثوق.
ما الذي يعلّمه حديث الرجل الذي يشكو قطيعة أقاربه؟
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن له أقارب يصلهم ويقطعونه، ويحسن إليهم ويسيئون إليه، ويحلم عنهم ويجهلون عليه. فأجابه النبي ﷺ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».» (رواه مسلم).
واصل الإحسان من غير انتظار تغيّر فوري
الحديث يبيّن فضل الثبات على الصلة والإحسان حين يقابلهما الأقارب بالإساءة، ويطمئن الواصل إلى معونة الله ما دام على ذلك. لكنه لا يعد بأن القريب سيعتذر أو يتغير سريعًا، ولا يطلب منك أن تعرّض نفسك لأذى لا تستطيع دفعه. اجمع بين المبادرة بقدر الاستطاعة، وحسن اختيار وسيلة التواصل، ووضع حدود تحميك.
لا تجعل قطيعة قريبك سببًا لقطعك، لكن لا تخلط صلة الرحم بقبول الأذى. بادر بما يناسب عرفكم وقدرتك، وقلّل الاحتكاك إذا كان التواصل المباشر يضرّك، مع إبقاء قدر آمن من الصلة بحسب الحال.
المصادر المذكورة
رُوجع كل نص مقتبس حرفًا بحرف مع نص القرآن والأحاديث في قاعدة بياناتنا.
هيئة تحرير المسلم بلس · رُوجِع في 24 أكتوبر 2026
