أحكام التداوي في الإسلام: بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب

أحكام التداوي في الإسلام: بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب

Al muslim-
جميع المقالات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن التداوي من الأمراض والعلل من الأمور التي عني بها الإسلام عناية خاصة، فهو دين الوسطية والتوازن، يأمر بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله سبحانه وتعالى. يطرح هذا المقال موضوع أحكام التداوي في الإسلام، وكيف يوازن المسلم بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، مستندين إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.

مشروعية التداوي في الإسلام

لقد شرع الإسلام التداوي وحث عليه، وجعله من الأسباب المشروعة التي يجب على المسلم الأخذ بها عند المرض. فقد روى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ». وهذا الحديث الشريف يبين أن لكل مرض دواء خلقه الله، وأن الشفاء يكون بإذن الله عند استعمال الدواء المناسب.

كما أن التداوي ليس منافياً للتوكل على الله، بل هو من الأسباب التي أمرنا الله بها. وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه: «تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ». ففي هذا الحديث أمر صريح بالتداوي، وبيان أن الله لم يخلق داء إلا وخلق له دواء، باستثناء الهرم (الشيخوخة) الذي لا دواء له.

ويؤكد ذلك أيضاً ما رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي خزامة عن أبيه أن رجلاً سأل النبي ﷺ: «أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: (هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ)». فالتداوي والرقى والتقاية كلها من قدر الله، أي أن الله قدرها أسباباً تدفع البلاء أو تخففه.

التوكل الحقيقي لا ينافي الأخذ بالأسباب

التوكل على الله ليس معناه ترك الأسباب والاستسلام، بل هو اعتماد القلب على الله مع فعل الأسباب المباحة. قال الله تعالى: «وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا». والتوكل الحقيقي هو أن يقوم العبد بالأسباب التي أمره الله بها، ثم يفوض الأمر إلى الله، راضياً بقضائه. فالمسلم يتداوى ويتعاطى الدواء، لكنه يعلم أن الشفاء بيد الله وحده، كما قال إبراهيم عليه السلام: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». فالشفاء من الله، والدواء سبب.

أنواع التداوي المشروعة في الإسلام

التداوي في الإسلام يشمل أنواعاً متعددة، منها ما هو مادي كالأدوية والعسل والحجامة، ومنها ما هو روحي كالرقية الشرعية والدعاء. وقد وردت في السنة النبوية إشارات إلى وسائل علاجية معينة، مثل ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ». ففي هذا الحديث ذكر النبي ﷺ ثلاثة أنواع من العلاج: الحجامة، والعسل، والكي بالنار، ولكنه نهى عن الكي لأنه قد يكون مؤلماً ولا يحقق الشفاء دائماً.

أما الرقية الشرعية فهي من أنواع التداوي الروحي، وقد كانت من هدي النبي ﷺ. فعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى النبي ﷺ وجعاً في جسده، فقال له: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ». وهذه الرقية مشروعة، وهي من الأسباب التي تدفع البلاء بإذن الله.

كما أن الدعاء بالشفاء من أعظم الأدوية، فقد كان النبي ﷺ يعوذ بعض أصحابه بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَأسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لاَ شَافِيَ إِلاَّ أنْتَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقماً». فهذا دعاء جامع يطلب فيه العبد الشفاء من الله، معترفاً بأنه لا شافي سواه.

الفرق بين التداوي المحمود والمذموم

التداوي المحمود هو ما كان مباحاً في ذاته، لا يشتمل على محرم كالسحر أو الحرام أو ما يضر بالبدن. أما التداوي المذموم فهو ما كان بحرام كالخمر أو المخدرات أو ما فيه شرك بالله. وقد أجمع العلماء على أن التداوي بالحرام لا يجوز إلا في حالات الضرورة القصوى التي تقدر بقدرها. كما أن التداوي لا ينبغي أن يصاحبه اعتقاد أن الدواء هو الشافي بذاته، بل هو سبب، والشفاء من الله وحده.

ضوابط التداوي في الإسلام

للتداوي في الإسلام ضوابط شرعية ينبغي مراعاتها، منها: أن يكون الدواء مباحاً طاهراً، وألا يؤدي إلى ضرر أكبر من المرض، وألا يعتقد المريض أن الدواء هو الشافي بذاته. وقد قال الله تعالى: «وَمَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ». فالمصائب كلها بقضاء الله وقدره، والإيمان بذلك يهدي قلب المؤمن.

ومن الضوابط المهمة أيضاً: أن يكون التداوي بقصد الشفاء والعلاج، لا بقصد الترفه أو التجميل المحض، وأن لا يشغل عن ذكر الله وطاعته. كما ينبغي للمسلم أن يصبر على المرض إذا كان التداوي شاقاً، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة سوداء أتت النبي ﷺ تشكو الصرع، فخيرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء بالشفاء، فاختارت الصبر. وهذا يدل على فضل الصبر على المرض، وأن التداوي ليس واجباً على كل حال، بل هو مباح.

التوازن بين التوكل والأخذ بالأسباب

المسلم مأمور بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله. قال الله تعالى: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». فابتغاء الوسيلة يشمل الأخذ بالأسباب المشروعة في كل شيء، ومنها التداوي. والتوكل الحقيقي هو أن يأخذ العبد بالأسباب ثم يتوكل على الله، لا أن يتكل على الأسباب ويغفل عن الله. وقد قال الله تعالى: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًۭا». فمن توكل على الله كفاه، ولكن مع الأخذ بالأسباب التي قدرها الله.

الرقية الشرعية والتداوي بالقرآن

القرآن الكريم هو شفاء للأمراض الروحية والجسدية. قال الله تعالى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا». فالقرآن شفاء للمؤمنين من أمراض القلوب كالشك والنفاق، وأيضاً شفاء للأبدان بالرقية الشرعية. وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يرقون بالقرآن.

والرقية الشرعية هي قراءة آيات القرآن والأدعية النبوية على المريض، وهي من أنواع التداوي المشروعة. يشترط في الرقية أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته أو بالأدعية النبوية، وأن تكون باللغة العربية أو بما يفهم معناه، وألا يعتقد الراقي أن الرقية تؤثر بذاتها، بل هي سبب، والشفاء من الله. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رقى ورقي، وأقر الصحابة على ذلك.

شروط الرقية الشرعية

للرقية الشرعية شروط: أن تكون بالقرآن أو السنة، وأن تكون باللغة العربية أو بما يفهم معناه، وألا يعتقد الراقي أن الرقية تؤثر بذاتها، بل هي سبب، وأن لا يكون فيها شرك أو بدعة. كما ينبغي للمريض أن يثق في الله ويحسن الظن به، ويدعو الله بإخلاص. ومن الأدعية المأثورة في الرقية: «أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».

التداوي عند السلف الصالح

كان السلف الصالح يتداوون ويأخذون بالأسباب، مع شدة توكلهم على الله. وقد ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتداوون، كما في قصة خباب بن الأرت رضي الله عنه الذي اكتوى سبع كيات، وقال: «لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوتُ به». فهذا يدل على أنهم كانوا يتداوون، ولكنهم لم يكونوا يجزعون من الموت.

كما كانوا يرقون بالقرآن والأدعية النبوية، ويستعملون العسل والحجامة وغيرها من العلاجات المباحة. وكانوا يعلمون أن الشفاء من الله وحده، وأن الأسباب لا تنفع إلا بإذنه. وقد قال الله تعالى: «وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ». فالكشف والشفاء بيد الله وحده.

نماذج من تداوي الصحابة

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ ذكر الشفاء في الحجامة والعسل والكي، ونهى عن الكي. وكان الصحابة يستعملون الحجامة والعسل بكثرة. كما كانوا يرقون بالمعوذات والأدعية النبوية. وهذا كله يدل على أن التداوي مشروع، وأنه لا يتعارض مع التوكل على الله.

الأسئلة الشائعة

هل التداوي واجب في الإسلام؟

التداوي ليس واجباً على كل حال، بل هو مباح ومستحب عند بعض العلماء، وقد يجب إذا كان ترك التداوي يؤدي إلى هلاك النفس أو ضرر كبير، لأن حفظ النفس من مقاصد الشريعة.

ما حكم التداوي بالحرام؟

التداوي بالحرام كالخمر والمخدرات لا يجوز إلا في حالة الضرورة القصوى، إذا لم يوجد دواء حلال، وأخبر طبيب ثقة أن الشفاء لا يكون إلا به، ويقدر بقدر الضرورة.

هل يتعارض التداوي مع التوكل على الله؟

لا، التداوي لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها. التوكل الحقيقي هو اعتماد القلب على الله مع فعل الأسباب المشروعة.

ما هي الرقية الشرعية؟

الرقية الشرعية هي قراءة آيات القرآن والأدعية النبوية على المريض بنية الشفاء، وهي مشروعة، ويشترط أن تكون بكلام الله أو بأسمائه أو بالأدعية النبوية، وألا يعتقد الراقي أنها تؤثر بذاتها.

هل يجوز التداوي بالكي بالنار؟

الكي بالنار كان من العلاجات المعروفة، لكن النبي ﷺ نهى عنه، فقال: «وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ». ويُكره الكي عند جمهور العلماء، إلا إذا كان ضرورة ولا يجد المريض علاجاً غيره.

ما حكم من ترك التداوي توكلاً على الله؟

ترك التداوي توكلاً على الله ليس من التوكل الصحيح، بل هو تواكل مذموم. التوكل الحقيقي يكون مع الأخذ بالأسباب. وقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا». فالواجب الأخذ بالأسباب.

هل الشفاء من الله أم من الدواء؟

الشفاء من الله وحده، والدواء سبب من الأسباب. قال الله تعالى: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». فلا ينبغي الاعتقاد بأن الدواء هو الشافي بذاته.

ما هي أفضل الأدعية للشفاء؟

من أفضل الأدعية للشفاء ما ورد عن النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَأسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لاَ شَافِيَ إِلاَّ أنْتَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقماً». وكذلك قول: «أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».

في الختام، نؤكد أن الإسلام دين الوسطية، يدعو إلى الأخذ بالأسباب المشروعة مع التوكل على الله. فالتداوي ليس نقصاً في التوكل، بل هو امتثال لأمر النبي ﷺ. نسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين، وأن يرزقنا التوكل الحقيقي عليه. وللمزيد من الأدعية والأذكار الشرعية، يمكنكم الاستفادة من تطبيق المسلم بلس الذي يضم مجموعة واسعة من الأدعية المصنفة والرقية الشرعية.

حمّل تطبيق المسلم بلس الآن


Sources vérifiées

Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).

  • Sourate Ash-Shu’araa, verset 80
  • Sourate At-Taghaabun, verset 11
  • Sourate Al-Ahzaab, verset 3
  • Sourate At-Talaaq, verset 3
  • Sourate Al-Israa, verset 82
  • Sourate Al-Maaida, verset 35
  • Sourate Al-An’aam, verset 17
  • Hadith n°66071 (رواه مسلم) — grade : صحيح
  • Hadith n°6018 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°66072 (رواه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجه وأحمد) — grade : صحيح
  • Hadith n°65201 (رواه الترمذي وابن ماجه) — grade : حسن
  • Hadith n°3160 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°5541 (Narrated by Bukhari) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°6011 (Al-Bukhari and Muslim. This is the wording of Al-Bukhari) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°66073 (رواه البخاري) — grade : صحيح

شارك هذا المقال

اكتشف أدواتنا الإسلامية

استكشف موارد المسلم بلس المجانية لإثراء ممارستك اليومية

تطبيق مجاني 100%

انضم إلى أكثر من 50,000 مسلم

حمّل مجاناً ولا تفوت أي صلاة بعد الآن