أحكام التعزير في الشريعة الإسلامية: مفهومه وأقسامه

أحكام التعزير في الشريعة الإسلامية: مفهومه وأقسامه

Al muslim-
جميع المقالات

التعزير في الشريعة الإسلامية هو نوع من العقوبات التي تترك للقاضي تقديرها، وذلك في الجرائم التي لا توجد فيها عقوبة محددة (حد أو قصاص). يهدف التعزير إلى تأديب الجاني وردعه عن العودة إلى الجريمة، مع مراعاة ظروفه وخطورة الفعل. في هذا المقال، نستعرض مفهوم التعزير وأحكامه وأقسامه، مع الاستناد إلى النصوص الشرعية.

مفهوم التعزير لغة وشرعاً

التعزير لغةً: مأخوذ من العَزْر، وهو الردع والمنع والتأديب. يُقال: عزّره، أي أدّبه وردعه. أما شرعاً: فهو عقوبة غير محددة بمقدار معين، يفرضها الحاكم أو القاضي على من ارتكب معصية أو جريمة لا حد فيها ولا كفارة، بقصد الزجر والتأديب. ويختلف التعزير عن الحدود والقصاص في كونه تقديرياً، أي أن القاضي يحدد نوعه وشدته حسب المصلحة والجريمة والجاني.

الفرق بين التعزير والحدود والقصاص

الحدود عقوبات مقدرة شرعاً لا يجوز تغييرها، كحد الزنا وحد السرقة. والقصاص عقوبة مقدرة أيضاً في الجنايات على النفس وما دونها. أما التعزير فهو عقوبة تقديرية يترك أمر تقديرها للقاضي، وقد تكون بالضرب أو الحبس أو الغرامة أو التوبيخ أو النفي وغيرها. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب في شرب الخمر بجريدة نحو أربعين جلدة، كما في الحديث: «أَنَ النّبي صلى الله عليه وسلم أُتِي بِرَجُل قَدْ شَرِب الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَريدة نحو أربعين» (رواه البخاري ومسلم). وهذا يعتبر تعزيراً في حق من لم يبلغ حد الخمر المقرر.

مشروعية التعزير في الإسلام

التعزير مشروع بالقرآن والسنة والإجماع. فقد ورد في القرآن الكريم الأمر بتأديب الزوجة الناشز بالهجر والضرب غير المبرح، وهذا من التعزير. وفي السنة النبوية، وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية التعزير، منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وهو بَرِيءٌ مما قال جُلِد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» (رواه البخاري ومسلم). وهذا يدل على أن القذف يستوجب عقوبة تعزيرية إذا لم يبلغ حد القذف الموجب للجلد ثمانين. وقد أجمع الفقهاء على جواز التعزير، مع اختلافهم في بعض تفاصيله.

أدلة التعزير من السنة

وردت أحاديث صحيحة في تعزير النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة. فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وأن أبا بكر ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وأن عمر ضَرَبَ وَغَرَّبَ» (رواه الترمذي). والضرب هنا هو التعزير، والتغريب (النفي) عقوبة تعزيرية أيضاً. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد عدداً معيناً للضرب في التعزير، بل تركه للاجتهاد.

أقسام التعزير وأنواعه

ينقسم التعزير إلى أقسام متعددة حسب نوع العقوبة: تعزير بدني (كالضرب والحبس)، وتعزير مالي (كالغرامة ومصادرة الأموال)، وتعزير معنوي (كالتوبيخ والوعيد والهجر). ويمكن للقاضي أن يجمع بين أكثر من عقوبة إذا رأى المصلحة. وتختلف شدة التعزير باختلاف الجريمة، فالتعزير في الجرائم الصغيرة يكون خفيفاً، وفي الجرائم الكبيرة يكون شديداً.

التعزير بالضرب

الضرب من أشهر أنواع التعزير، ويشترط فيه ألا يبلغ حداً مقرراً في الحدود، فلا يزيد عن عشرة أسواط في رأي بعض الفقهاء، بينما أجاز آخرون الزيادة إذا دعت الحاجة. ويراعى في الضرب ألا يكون مبرحاً، وألا يضرب على الوجه أو المقاتل. وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بأربعين، كما في الحديث.

التعزير بالحبس

الحبس عقوبة تعزيرية شائعة، ويختلف مدته حسب الجريمة. يجوز للقاضي حبس الجاني حتى يتوب أو يصلح حاله. وقد حبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض الناس تعزيراً. ولا يجوز أن يزيد الحبس في التعزير على مدة الحدود، إلا إذا كان الجاني يستحق ذلك لتكرار جريمته.

التعزير بالغرامة المالية

الغرامة المالية مشروعة في التعزير، وقد أخذ بها بعض الصحابة. وتكون بأخذ مال من الجاني ووضعه في بيت مال المسلمين، أو التصدق به. ويشترط ألا تزيد الغرامة عن مقدار الجريمة، وألا تؤدي إلى الإضرار بالجاني إضراراً بالغاً.

ضوابط التعزير وشروطه

يشترط في التعزير أن يكون بقدر المصلحة، فلا يزيد عن الجريمة ولا ينقص. كما يشترط أن يكون القاضي عادلاً عالماً بأحكام الشرع، وأن يراعي ظروف الجاني والجريمة. ويجب أن يكون التعزير في جرائم يعاقب عليها شرعاً، ولا يجوز التعزير بغير جريمة. كما أن التعزير يسقط بالتوبة عند بعض الفقهاء، إذا كان الجاني قد أقلع عن جريمته وأصلح حاله.

من يطبق التعزير؟

التعزير من اختصاص القاضي أو الحاكم، ولا يجوز للأفراد تطبيقه بأنفسهم. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تُقَامُ الحدود في المساجد، ولا يُسْتَقَادُ فيها» (رواه أبو داود). وهذا يشمل التعزير أيضاً، فلا يقام في المسجد. كما أن التعزير لا يقام إلا بعد ثبوت الجريمة بالبينة أو الإقرار.

أمثلة على جرائم يعاقب عليها بالتعزير

من الجرائم التي يعاقب عليها بالتعزير: شرب الخمر لمن لم يبلغ حد الإسكار، والقذف الذي لا يبلغ حد القذف الصريح، والسرقة التي لا تبلغ نصاب القطع، والغش في المعاملات، والاعتداء على الأعراض بالغيبة والنميمة، وترك الواجبات كالصلاة والزكاة مع الإصرار. ويختلف التعزير باختلاف الجريمة والجاني، فقد يكون بالضرب أو الحبس أو التغريب أو غير ذلك.

التعزير في ترك الصلاة

اتفق الفقهاء على أن تارك الصلاة تكاسلاً يعزر، وقد يصل التعزير إلى الحبس أو الضرب حتى يصلي. أما من تركها جحوداً، فهو كافر عند جمهور الفقهاء، ويخرج عن حكم التعزير إلى حكم الردة.

الحكمة من مشروعية التعزير

التعزير يحقق أهدافاً عظيمة في الشريعة، منها: حفظ المجتمع من الفساد، وردع المجرمين عن ارتكاب الجرائم، وتأديب المذنبين وتقويم سلوكهم، وتحقيق العدالة بين الناس، وحماية الحقوق والحريات. كما أن التعزير يمنح القاضي مرونة في تقدير العقوبة بما يناسب كل حالة، مما يحقق العدالة الفردية. وقد قال الله تعالى: «وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (سورة البقرة، الآية 179). وإذا كان القصاص حياة، فالتعزير كذلك لأنه يمنع الجرائم قبل وقوعها.

الأسئلة الشائعة

ما هو التعزير في الإسلام؟

التعزير هو عقوبة تقديرية يفرضها القاضي على من ارتكب معصية أو جريمة لا حد فيها ولا قصاص، ويكون بقصد الردع والتأديب.

ما الفرق بين التعزير والحد؟

الحد عقوبة مقدرة شرعاً لا يجوز تغييرها، كحد الزنا والسرقة. أما التعزير فهو عقوبة غير محددة، يترك تقديرها للقاضي حسب الجريمة والجاني.

هل يجوز التعزير بالضرب؟

نعم، يجوز التعزير بالضرب، لكن بشرط ألا يكون مبرحاً، وألا يضرب على الوجه، وألا يزيد عن الحد الشرعي الذي يراه القاضي مناسباً.

هل يجوز التعزير بالحبس؟

نعم، الحبس عقوبة تعزيرية جائزة، ويختلف مدتها حسب الجريمة، وقد يمتد حتى توبة الجاني أو صلاح حاله.

من يطبق عقوبات التعزير؟

التعزير من اختصاص القاضي أو الحاكم الشرعي، ولا يجوز للأفراد تطبيقه بأنفسهم.

هل يسقط التعزير بالتوبة؟

ذهب بعض الفقهاء إلى أن التعزير يسقط بالتوبة إذا تاب الجاني وأصلح حاله، خاصة إذا كانت الجريمة تتعلق بحق الله. أما حقوق العباد فلا تسقط إلا بالتنازل.

ما هي أنواع التعزير؟

أنواع التعزير تشمل: التعزير البدني كالضرب والحبس، والتعزير المالي كالغرامة، والتعزير المعنوي كالتوبيخ والوعيد والهجر.

هل يجوز التعزير بالغرامة المالية؟

نعم، يجوز التعزير بالغرامة المالية، وقد أخذ بها الصحابة، وتكون بأخذ مال من الجاني ووضعه في بيت المال أو التصدق به.

التعزير نظام عقابي مرن في الشريعة الإسلامية، يهدف إلى تحقيق العدالة والردع، مع مراعاة ظروف كل جريمة وجاني. وقد شرعه الإسلام لحماية المجتمع من الفساد، وجعل تقديره للقاضي العادل. لتعميق فهمك لأحكام الشريعة، ننصحك باستخدام تطبيق المسلم بلس الذي يقدم لك أدوات تعليمية متنوعة، مثل القرآن الكريم والأحاديث النبوية والأدعية. حمّل التطبيق الآن لتكون على دراية بأحكام دينك.

حمّل تطبيق المسلم بلس لتعلم أحكام دينك


Sources vérifiées

Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).

  • Sourate Al-Baqara, verset 179
  • Hadith n°10892 (Narrated by Abu Daoud) — grade : Good hadith
  • Hadith n°58237 (Narrated by At-Termedhy) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°58244 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°2946 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith

شارك هذا المقال

اكتشف أدواتنا الإسلامية

استكشف موارد المسلم بلس المجانية لإثراء ممارستك اليومية

تطبيق مجاني 100%

انضم إلى أكثر من 50,000 مسلم

حمّل مجاناً ولا تفوت أي صلاة بعد الآن