آثار الرضاع في الإسلام: أحكامه وأثره في المحرمية

آثار الرضاع في الإسلام: أحكامه وأثره في المحرمية

Al muslim-
جميع المقالات

الرضاع في الإسلام ليس مجرد وسيلة لتغذية الطفل، بل هو رابط شرعي يثبت أحكاماً مهمة تتعلق بالمحرمية والزواج والنسب. فقد جعل الشارع الحكيم للرضاع أثراً في التحريم، حيث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وفق ضوابط وشروط معينة. في هذا المقال، نستعرض آثار الرضاع في الإسلام، ونوضح أحكامه وشروطه، وكيف يترتب عليه التحريم والمحرمية بين المرضع والرضيع وأسرتيهما.

مفهوم الرضاع في الإسلام وأهميته

الرضاع لغةً: مصدر رضع، وهو امتصاص الثدي. وشرعاً: وصول لبن امرأة إلى جوف طفل عن طريق الثدي أو ما يقوم مقامه في مدة مخصوصة. وقد عني الإسلام بالرضاع عناية كبيرة، فنظم أحكامه وحدد شروطه لضمان حقوق الطفل والأم على حد سواء.

قال الله تعالى: « ۞ وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌۭ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍۢ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍۢ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ » (سورة البقرة، الآية 233).

هذه الآية الكريمة تضع الإطار العام للرضاعة، وتحدد مدة الرضاع الكاملة بحولين، وتركز على حقوق المرضعة والطفل. كما تفتح الباب للاسترضاع إن احتاج الوالدان لذلك، مع وجوب الوفاء بالحقوق المالية للمرضعة.

الحكمة من تشريع الرضاع

شرع الله الرضاع لحكم عظيمة، منها: توفير الغذاء الطبيعي للطفل الذي لا غنى له عنه في بداية حياته، وتقوية الرابطة بين الأم وطفلها، وإثبات المحرمية التي توسع دائرة الأسر وتزيد التكافل الاجتماعي. فالرضاع يخلق علاقة تشبه علاقة النسب، فيثبت التحريم بين المرضع والرضيع وبين ذريتهما.

شروط الرضاع المحرِّم وأحكامه

لا يثبت التحريم بالرضاع مطلقاً، بل لابد من توفر شروط معينة بينها الفقهاء استناداً إلى الأدلة الشرعية. من أهم هذه الشروط:

أولاً: أن يكون الرضاع في مدة الحولين قبل الفطام، لقوله تعالى: « حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ». وقد جاء في الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُحَرِّمُ من الرَّضَاعَةِ إلا ما فَتَقَ الْأَمْعَاءَ في الثَّدْيِ، وكان قَبْلَ الْفِطَامِ» (رواه الترمذي).

ثانياً: أن يصل اللبن إلى جوف الطفل عن طريق المص أو ما في حكمه، بحيث يفتق الأمعاء. وقد نص الحديث على أن الرضاع المحرم هو ما فتق الأمعاء أي ما كان له أثر في تغذية الطفل ونموه.

ثالثاً: أن يكون عدد الرضعات خمساً معلومات على الأقل، لحديث عائشة رضي الله عنها: «كان فِيمَا أُنْزِلُ من القرآن: (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ)، ثم نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ من القرآن» (رواه مسلم).

رابعاً: أن يكون اللبن لامرأة حية، ولا عبرة بلبن الميتة أو لبن البهائم.

الرضاع بعد الحولين

اتفق الفقهاء على أن الرضاع بعد الحولين لا يثبت به التحريم، لأنه لا يعتبر رضاعاً كاملاً يفتق الأمعاء ويغذي الطفل. والدليل من الآية السابقة أن الحولين هما مدة الرضاع الكامل. وأما حديث «الرضاعة من المجاعة» فيؤكد أن العبرة بالرضاع الذي يسد الجوع ويغذي الطفل.

الرضاع القليل والكثير

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرضاع المحرم هو ما بلغ خمس رضعات مشبعات، وأما الرضعة أو الرضعتان فلا تحرمان، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تُحَرِّمُ الْمَصَّة وَالْمَصَّتَان» (رواه مسلم).

أثر الرضاع في المحرمية والزواج

للرضاع أثر كبير في إثبات المحرمية بين المرضع والرضيع وبين أسرتيهما، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ» (رواه البخاري ومسلم).

فالمرأة التي أرضعت طفلاً تصبح أماً له من الرضاع، وزوجها يصبح أباً له، وأولادها يصبحون إخوة له. وبالتالي يحرم الزواج بين الرضيع وأمه من الرضاع، وبينه وبين أخواته من الرضاع، كما يحرم بينه وبين بنات زوج المرضعة.

وقد ورد في السنة قصة سالم مولى أبي حذيفة، حيث أشار النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالماً لتصبح محرماً له، فقال: «أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمِي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة» (رواه مسلم). وهذا دليل على أن الرضاع يثبت المحرمية ويزيل الحرج.

من يحرمون بالرضاع

يحرم بالرضاع نفس من يحرمون بالنسب، وهم: الأم من الرضاع، والأب من الرضاع، والأخوة والأخوات من الرضاع، والأعمام والعمات من الرضاع، والأخوال والخالات من الرضاع. وكذلك يحرم الجمع بين الأختين من الرضاع في الزواج. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: «لا تحل لي، يحرم من الرضاع: ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة» (متفق عليه).

الرضاع وحقوق الطفل والأم

الرضاع ليس مجرد حكم شرعي، بل هو مسؤولية وحقوق متبادلة بين الأم والطفل. فقد أوجب الإسلام على الأم إرضاع طفلها إن كانت قادرة، وجعل ذلك حقاً للطفل. كما أن للأم حق الحصول على الأجر إذا أرضعت طفلاً غير ولدها، أو إذا طلبت أجراً من الأب.

قال الله تعالى: « فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍۢ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍۢ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ».

وتؤكد السنة على أهمية الرضاع في بناء العلاقات الأسرية، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم سَتَحْرِصُونَ على الإِمَارَة، وستكون نَدَامَةً يوم القيامة، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ» (رواه البخاري)، حيث شبه الرضاعة بحال المولاة والقطيعة، دلالة على أثرها العميق.

حقوق الأم المرضعة

للأم المرضعة حقوق عديدة، منها: النفقة والكسوة بالمعروف من الأب، وحقها في الأجر إذا أرضعت طفلاً غير ولدها، وحقها في عدم الإضرار بها بسبب الرضاع. كما أن لها الحق في فطام الطفل بالتراضي مع الأب.

الرضاع في العصر الحديث: قضايا وتحديات

مع تطور وسائل الرضاعة الصناعية وبنوك الحليب، ظهرت قضايا فقهية جديدة تتعلق بالرضاع. من أبرزها: حكم الرضاع عن طريق الحليب المستخرج بالشفاطة، وحكم التبرع بالحليب لبنوك الحليب، وهل يثبت التحريم بذلك.

يجيب الفقهاء بأن العبرة بوصول اللبن إلى جوف الطفل عن طريق المص أو ما يقوم مقامه، فإذا شرب الطفل الحليب المستخرج بالشفاطة فإنه يثبت به التحريم بشرط أن يكون في مدة الرضاع وبعدد الرضعات المعتبرة. أما بنوك الحليب فتحتاج إلى ضوابط شرعية لضمان عدم اختلاط الأنساب.

ولمعرفة المزيد عن أحكام الرضاع والمسائل الفقهية المتعلقة بالأسرة، يمكنك الاستفادة من موسوعة الأحاديث النبوية على تطبيق المسلم بلس، والتي تضم مجموعات صحيحة مع البحث والتصنيف. كما يمكنك تحميل التطبيق للوصول إلى أدوات إسلامية شاملة.

الأسئلة الشائعة

ما هي شروط الرضاع المحرم في الإسلام؟

يشترط للرضاع المحرم: أن يكون في مدة الحولين قبل الفطام، وأن يصل اللبن إلى جوف الطفل عن طريق المص، وأن يكون عدد الرضعات خمساً معلومات على الأقل، وأن يكون اللبن لامرأة حية.

هل الرضاعة بعد الحولين تحرم؟

لا، الرضاع بعد الحولين لا يثبت به التحريم، لأن المدة الشرعية للرضاع الكامل هي حولان كما في الآية الكريمة.

كم عدد الرضعات التي تحرم؟

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرضاع المحرم هو ما بلغ خمس رضعات مشبعات، وأما الرضعة أو الرضعتان فلا تحرمان، لحديث «لا تُحَرِّمُ الْمَصَّة وَالْمَصَّتَان».

من هم المحارم من الرضاع؟

يحرم من الرضاع نفس من يحرم من النسب: الأم، الأب، الإخوة، الأخوات، الأعمام، العمات، الأخوال، الخالات من الرضاع.

هل يجوز الزواج من أخت من الرضاع؟

لا، لا يجوز الزواج من الأخت من الرضاع، لأن الرضاع يحرم ما يحرم النسب.

هل يثبت التحريم بالرضاع عن طريق الحليب الصناعي؟

نعم، إذا كان الحليب المستخرج من ثدي المرأة ووصل إلى جوف الطفل بالشرب، فإنه يثبت به التحريم بشرط توفر الشروط الأخرى.

ما حكم التبرع بالحليب لبنوك الحليب؟

التبرع بالحليب جائز، لكن يجب ضبطه شرعياً لئلا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وينبغي توثيق التبرعات لمعرفة المحارم.

الرضاع في الإسلام نظام متكامل يهدف إلى حماية الطفل وتقوية الروابط الأسرية، مع ضوابط تحفظ الحقوق وتمنع الاختلاط في المحرمية. وقد بينت الشريعة أحكامه بالتفصيل، وجعلت له أثراً في التحريم كالنسب. نسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين والعمل به.

للاستزادة في أحكام الرضاع والمسائل الفقهية، يمكنك الاطلاع على موسوعة الأدعية والأذكار وتطبيق أوقات الصلاة لتنظيم عبادتك. حمّل تطبيق المسلم بلس الآن واستفد من أدواته الإسلامية الشاملة.

حمّل تطبيق المسلم بلس الآن


Sources vérifiées

Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).

  • Sourate Al-Baqara, verset 233
  • Hadith n°58177 (Narrated by At-Termedhy) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°5859 (متفق عليه) — grade : صحيح
  • Hadith n°58174 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°58175 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°58176 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°64681 (Narrated by Bukhari) — grade : Authentic hadith
  • Hadith n°4311 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith

شارك هذا المقال

اكتشف أدواتنا الإسلامية

استكشف موارد المسلم بلس المجانية لإثراء ممارستك اليومية

تطبيق مجاني 100%

انضم إلى أكثر من 50,000 مسلم

حمّل مجاناً ولا تفوت أي صلاة بعد الآن