بر الوالدين في الإسلام ليس مجرد خلق كريم، بل هو عبادة عظيمة قرنها الله بطاعته، وجعلها مفتاحًا لرضاه ودخول الجنة، وهي من أعظم القربات التي تصلح حياة المسلم في دنياه وآخرته.
ما مكانة بر الوالدين في القرآن الكريم؟
قرن الله تعالى بر الوالدين بعبادته في أكثر من موضع، مما يدل على عظم شأنه. قال تعالى: «۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا ». هذا الأمر الإلهي يضع الإحسان إليهما في مرتبة التوحيد، ويحذر من أدنى درجات العقوق وهو التأفف.
وتأتي الوصية بهما بعد الشكر لله في قوله: « وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ »، فشكر الله وشكر الوالدين مقترنان، ولا يكمل شكر الله دون شكرهما.
وحتى في حال دعوة الوالدين لولدهم إلى الشرك، يأمر الله بالإحسان إليهما مع عدم الطاعة في المعصية، قال تعالى: « وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًۭا ۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ». فالإحسان إليهما واجب حتى مع اختلاف الدين، ما لم يكن في طاعتهما معصية للخالق.
هذه الآيات وغيرها تجعل بر الوالدين من أصول الدين، وليست مجرد أخلاق اجتماعية، وقد ورد في السنة ما يؤكد ذلك، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «فَهَل لَكَ من وَالِدَيك أحد حيٌّ؟» قال: نعم، بل كلاهما، قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم، قال: «فَارْجِع إلى وَالِدَيك، فَأَحْسِن صُحْبَتَهُمَا»، حيث فضَّل النبي ﷺ بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، وهذا يبين أن رضا الله مرتبط برضاهما.
لماذا كانت الأم مقدمة على الأب في البر؟
جاء في الحديث الصحيح أن رجلًا سأل النبي ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك». هذا التقديم للأم ثلاث مرات قبل الأب يدل على عظم فضلها، لما تحملت من مشقة الحمل والوضع والرضاع، كما قال تعالى: « حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا ».
وتأكيدًا لهذا المعنى، ورد في حديث آخر: «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ». فالأم تتفوق على الأب في حق البر لمعاناتها وصبرها، وهي تستحق من الولد الحنان والرعاية أكثر.
وهذا التقديم لا يعني إهمال الأب، بل كلاهما له حق عظيم، لكن الأم لها الأولوية في العناية والصحبة، خاصة عند كبرها وحاجتها، وقد ورد أن النبي ﷺ قال: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قيل: من؟ يا رسول الله قال: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»، فمن أحسن إليهما في الكبر فاز بالجنة، ومن قصّر خسر أعظم الفرص.
كيف يؤثر بر الوالدين على رضا الله ورضاهما؟
بر الوالدين ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وقد جعل الله رضاه مرتبطًا برضاهما. قال النبي ﷺ: «رضا الله في رضا الوالدين، وسَخَطُ الله في سَخَطِ الوالدين». فمن أرضى والديه فقد أرضى الله، ومن أغضبهما فقد عرض نفسه لسخط الله وعقابه.
وهذا يفسر لماذا كان عقوق الوالدين من الكبائر، فقد قال النبي ﷺ: «من الكبائر شَتْمُ الرجل والديه» قيل: وهل يسبّ الرجل والديه؟ قال: «نعم، يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه، فيسبّ أمّه». فمن تسبب في سبّ والديه ولو بردّ الإساءة عن غيره، فهو من الكبائر، فكيف بمن يسبهما مباشرة؟
كما أن بر الوالدين سبب لتفريج الكربات وقبول الأعمال، وقد ورد أن الله يرفع به الدرجات، وقد قال تعالى عن يحيى عليه السلام: « وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّۭا »، فجعله الله نبيًا زكيًا ببره بوالديه. وهذا يبين أن البر يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ويجعل له ذكرًا حسنًا.
ما هي صور البر العملية في الحياة اليومية؟
البر ليس كلمات تُقال، بل أفعال تُمارس. من أهم صوره: الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما، كما قال تعالى: « رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ »، فهذا دعاء نبي كريم يسأل الله أن يوفقه لبرهما.
ومن صور البر: الإنفاق عليهما، وتلبية احتياجاتهما قبل أن يسألا، والتواضع لهما، وعدم رفع الصوت عليهما، والاستئذان عند دخولهما، وخدمتهما بأنفسنا، كما كان النبي ﷺ يفعل مع أمه وأقاربه.
ومن أرقى صور البر: صلة أصدقاء الوالدين بعد وفاتهما، فقد ورد أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا خرج إلى مكة مرّ بأعرابي كان صديقًا لأبيه، فأعطاه حماره وعمامته، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُل أَهْلَ وُدِّ أَبِيه». فهذا يدل على أن البر يمتد حتى بعد الموت، فمن أحسن إلى أصدقاء والديه فقد برّهما.
كما أن بر الوالدين يشمل كبار السن منهم خاصة، فإنهم يمرون بمرحلة ضعف وحاجة، وقد وصف الله هذه المرحلة بقوله: « إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا »، فالكبر يستوجب مزيدًا من الصبر واللين.
ويمكن للمسلم أن يستعين ببعض الأدوات العملية لتنظيم وقته وتذكره ببر والديه، مثل تطبيق المسلم بلس الذي يوفر أذكار المنزل وأدعية متنوعة تساعد على تعزيز الروابط الأسرية، ويمكن الوصول إليه عبر صفحة أذكار المنزل.
كيف يوازن المسلم بين بر الوالدين وحقوق الزوجة والأبناء؟
قد يجد المسلم نفسه في حيرة بين بر والديه والقيام بحقوق زوجته وأبنائه، لكن الشريعة وضعت موازين دقيقة لهذا الأمر. الأصل أن بر الوالدين مقدم على غيره من النوافل، لكن حقوق الزوجة والأبناء من الواجبات التي لا تسقط.
وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: « وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا ۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ »، فإذا تعارض أمر الوالدين مع طاعة الله أو حقوق الآخرين، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن يبقى الإحسان إليهما واجبًا.
وقد ورد في السنة أن النبي ﷺ قال لمن أراد الجهاد: «فَفِيهِمَا فجاهد»، أي في خدمة والديك والقيام بحقهما، فجعل خدمتهما جهادًا، وهذا يبين أن البر لا يتعارض مع سائر الواجبات إذا حُسن تنظيم الوقت.
وقد ذكر الله تعالى قصة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام، وكان أبواه مؤمنين، خشي أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا، فقال: « وَأَمَّا ٱلْغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا »، وهذا يدل على أن الشريعة تراعي مصلحة الوالدين حتى في الأمور الخفية.
وفي النهاية، على المسلم أن يجتهد في التوفيق بين حقوق الجميع، مع تقديم بر الوالدين في الأمور التي لا تتعارض مع واجبات أخرى، ويمكن أن يساعد تنظيم الوقت في ذلك، كما يمكن الاستعانة بتطبيق المسلم بلس الذي يوفر أدعية وأذكارًا تساعد على السكينة والتركيز، مثل أذكار المنزل التي تريح القلب وتعين على حسن التعامل مع الأسرة.
بر الوالدين عبادة عظيمة تجمع بين حق الله وحق الخلق، وهي مفتاح للرزق والبركة في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يوفقنا لبر والدينا والإحسان إليهما، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. حمّل تطبيق المسلم بلس لتجد فيه ما يعينك على الطاعات ويذكرك ببر والديك.
Sources vérifiées
Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).
- Sourate Al-Israa, verset 23
- Sourate Luqman, verset 14
- Sourate Al-Ahqaf, verset 15
- Sourate Al-Ankaboot, verset 8
- Sourate Maryam, verset 14
- Sourate Al-Kahf, verset 80
- Hadith n°3260 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°3718 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°58188 (Narrated by Abu Daoud & At-Termedhy & Ahmad) — grade : Good hadith
- Hadith n°5373 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°3493 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°4182 (Narrated by Muslim – Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°5361 (Narrated by At-Termedhy) — grade : Hasan/Sound by virtue of corroborating evidence
