كثيرًا ما يتردد السؤال مع اقتراب ذكرى المولد النبوي: هل الاحتفال بميلاد النبي ﷺ جائز أم بدعة؟ والحقيقة أن هذا السؤال يحتاج إلى نظرٍ في المقاصد الشرعية، فالمسلمون مختلفون في طريقة الاحتفال، لكنهم متفقون على أصل محبة النبي ﷺ وتعظيمه. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على اتباع سنته والاقتداء به في كل شيء، حتى في الأمور التي قد تبدو صغيرة، فكيف بمناسبة عظيمة كذكرى ميلاده؟ في هذا المقال نقف على فضل هذه الذكرى وكيفية إحيائها بما يتوافق مع هدي السلف، بعيدًا عن الغلو والتفريط.
محبة النبي ﷺ أصل الإيمان وعلامته
لا يكتمل إيمان العبد حتى يكون النبي ﷺ أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين. وهذه المحبة ليست مجرد ادعاء، بل هي عمل واتباع. وقد جعل الله تعالى اتباع النبي ﷺ علامة على صدق محبة العبد لربه، فقال في كتابه العزيز: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 31]. فالاحتفال بالمولد النبوي إن كان يهدف إلى تذكير المسلمين بسيرته وشمائله، ودفعهم إلى الاقتداء به، فهو أمر محمود؛ لأنه يحيي في القلوب معنى المحبة التي هي أصل الإيمان.
ومن أعظم ما يبعث على محبته ﷺ معرفة سيرته العطرة، فقد كان خلقه القرآن، وكان يعامل الناس بأخلاق عظيمة حتى أقرّ به أعداؤه قبل أصدقائه. وقد قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]. لذلك فإن إحياء ذكراه يكون بدراسة سيرته والتأسي بصفاته، لا بالابتداع في دينه. والمتأمل في هديه ﷺ يجده قد حذر من الغلو في تعظيمه، كما في قوله: « لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله » (رواه البخاري).
الاحتفال بالمولد بين الفعل والترك
لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم احتفلوا بمولده بشكل خاص، وإنما كان الصحابة يفرحون بكل ما يتعلق به، ويحرصون على اتباع سنته في العبادات والمناسبات. وقد اختلف العلماء في حكم الاحتفال بالمولد النبوي على أقوال: فمنهم من أجازه إذا خلا من المنكرات، ورأى فيه فرصة لتذكير الناس بسيرته، ومنهم من منعه باعتباره بدعة محدثة لم تكن في عهد السلف. والأمر في ذلك واسع، لكن المهم أن لا يُتخذ المولد موسماً للبدع والمنكرات، وأن يكون الهدف منه إحياء السنة والتعريف بالنبي ﷺ.
والأصل في الأعمال أن تُتلقى من الشرع، فما ورد فعله نفعله، وما لم يرد لا نُحدثه في الدين. وقد قال ﷺ: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » (متفق عليه). فمن أراد أن يُحيي ذكرى النبي ﷺ فليحرص على ما يوافق السنة، كالصلاة عليه، ودراسة سيرته، والاقتداء بأخلاقه، وصلة الرحم، والصدقة، وإطعام الطعام، فهذه أمور مشروعة في كل وقت. وأما تخصيص يوم معين باحتفالٍ مبتدع قد يشتمل على محرمات كالاختلاط والغناء المحرم، فهذا لا يجوز.
كيف نحيي ذكرى النبي ﷺ في بيوتنا؟
إحياء ذكرى النبي ﷺ في البيت يكون بتعليم الأبناء سيرته العطرة، وقصصه مع أصحابه، وأخلاقه الكريمة. ويمكن أن نجعل مناسبة المولد فرصة لقراءة سيرته ﷺ في كتب السيرة الصحيحة، أو الاستماع إلى دروس العلماء الموثوقين، ومذاكرة ذلك مع العائلة. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتذاكرون سيرته ويتمثلون هديه في كل شؤونهم، كما كانوا يسألون أزواجه عن عمله في السر، فقد ورد أن نفرًا من أصحابه سألوا عن عبادته في السر، فقال ﷺ: « ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ». فهذا الحديث يبين أن الاقتداء به ﷺ يكون في كل جوانب الحياة، لا في المظهر فقط.
ومن أفضل ما يُحيي به المسلم ذكرى نبيه ﷺ: الصلاة عليه، والإكثار من ذلك، فقد قال ﷺ: « من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا » (رواه مسلم). كما يُستحب الصيام في بعض الأيام الفاضلة تقربًا إلى الله، وقد كان النبي ﷺ يصوم يوم عاشوراء وأمر بصيامه. فإحياء السنن المهجورة هو خير طريقة لإحياء ذكراه، لأن ذلك يُظهر محبته واتباعه.
الفرح بميلاده ﷺ شكرٌ لله على نعمته
ميلاد النبي ﷺ كان أعظم نعمة على البشرية، فقد أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور. والفرح بهذه النعمة وشكر الله عليها أمر مطلوب، لكن الشكر يكون بما يحبه الله ورسوله، لا بالبدع والمنكرات. وقد كان النبي ﷺ يشكر الله على نعمه، ويعلّم أصحابه كيفية الشكر، كما في قصة صيام عاشوراء، حيث وجد اليهود يصومونه شكرًا لله على نجاة موسى، فقال ﷺ: « أنا أولى بموسى منهم » وصامه وأمر بصيامه. فهذا يدل على مشروعية إظهار الشكر لله على نعمه في الأوقات الفاضلة.
فإذا أراد المسلم أن يفرح بميلاد النبي ﷺ، فليجعل ذلك الفرح عبادة لله، بأن يصوم يوم الاثنين، فقد كان النبي ﷺ يصومه وقال: « ذلك يوم وُلدت فيه » (رواه مسلم). ويُكثر من الصلاة عليه، ويجتهد في طاعة الله، ويُكثر من الأعمال الصالحة، ويُعلّم الناس سيرته. وهكذا يكون الاحتفال بالمولد النبوي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، لا مجرد عادة ولهو. والله أعلم.
إن ذكرى المولد النبوي مناسبة عظيمة لتجديد المحبة والاتباع للنبي ﷺ، لكن الأهم هو أن نحرص على أن تكون احتفالاتنا وفق السنة، بعيدة عن البدع. فلنستغل هذه المناسبة لدراسة سيرته، والاقتداء بأخلاقه، والإكثار من الصلاة عليه. ولا تنسَ أن تستعين بتطبيق المسلم بلس الذي يقدم لك السيرة النبوية والأحاديث الصحيحة والعديد من الأدوات التي تعينك على الطاعة. حمّل التطبيق الآن من متجر التطبيقات وابدأ رحلتك مع سنة النبي ﷺ.
Sources vérifiées
Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).
- Hadith n°10121 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°66404 (متفق عليه) — grade : صحيح
- Hadith n°6078 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
