في زمن تكثر فيه المغريات وتتشعب سبل اللهو، تبقى العفة صفةً جامعةً لقوة النفس وكمال العقل وصحة الجسد. وقد عني القرآن الكريم بها أيما عناية، حتى جعلها علامةً على المؤمنين الصادقين. يقول الله تعالى في سورة المؤمنون: « وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ »، فهذه الآية التي تتلى في صلاة الفجر وغيرها، تضع العفة في صلب صفات المؤمنين، إلى جانب الخشوع في الصلاة والإعراض عن اللغو وإيتاء الزكاة. فما هي حقيقة هذه العفة؟ وكيف تكون قوةً للنفس وكمالًا للعقل وصحةً للجسد؟ هذا ما سنكشفه في هذا المقال.
ما معنى العفة في الإسلام؟
العفة في اللغة هي الكفّ عما لا يحل، وهي خلقٌ يمنع النفس من الشهوات المحرمة. وفي الشرع، تعني حفظ الفرج والبصر واللسان والقلب عن كل ما حرم الله. وقد جمع النبي ﷺ هذا المعنى في حديث جامع رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». فهذا الحديث يحدد طريقين للعفة: الزواج لمن يستطيع، والصيام لمن لا يستطيع، لأن الصوم يكسر حدة الشهوة.
والعفة ليست مجرد ترك للمحرمات، بل هي صيانة للكرامة الإنسانية. فالإنسان الذي يعفّ نفسه يكون أقرب إلى الله، وأعزّ في نفسه، وأرفع في أعين الناس. وقد قرن الله في القرآن بين العفة والطهر في قوله عن نساء الجنة: « فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ »، فهذه البشارة للمؤمنين العفيفين.
كيف تقوّي العفة النفس وترتقي بالروح؟
العفة تُضفي على النفس قوةً عجيبة، فهي تحررها من عبودية الشهوات. حين يغضّ المؤمن بصره ويحفظ فرجه، فإنه يثبت لنفسه أنه سيدها لا عبدها. يقول الله تعالى: « قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ». فغض البصر وحفظ الفرج هما وسيلتا التزكية، وثمرتهما طهارة النفس وزكاؤها.
والنفس القوية هي التي تستطيع مقاومة الإغراءات، وتتحلى بالصبر والثبات. وقد شبّه النبي ﷺ الصبر بالضياء في حديث أبي مالك الأشعري: «…وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ…»، والعفة تحتاج إلى صبر عظيم، وهي من أعلى مراتب الصبر. فمن صبر على العفة نال قوة في القلب وطمأنينة في الروح، ومن أطلق لنفسه العنان في الشهوات ضعفت إرادته وسقط في مستنقع الرذيلة.
ما أثر العفة في كمال العقل وسلامة الفكر؟
العفة تحفظ العقل من أن تشغله الشهوات وتشتت تفكيره. فالزنا وما يتبعه من مقدمات كالنظر واللمس والكلام المحرم، كلها تلهي القلب وتضعف التركيز وتؤدي إلى نسيان العلم وضعف الحفظ. وقد أشار النبي ﷺ إلى أن هذه الجوارح لها نصيب من الزنا، فالعين تزني بالنظر، والأذن بالاستماع، واللسان بالكلام، واليد بالبطش، والرجل بالخطى، والقلب يهوى ويتمنى. كما في الحديث الصحيح: «كُتب على ابن آدم نَصِيبُه من الزِنا مُدْرِكُ ذلك لا مَحَالة: العينان زِناهما النَظر، والأُذنان زِناهما الاستماع، واللسان زِناه الكلام، واليَدُ زِناها البَطْش، والرِّجل زِناها الخُطَا، والقلب يَهْوَى ويتمنى، ويُصَدِّق ذلك الفَرْج أو يُكذِّبُه».
إن من يعفّ نفسه يكون عقله صافيًا، وفكره سليمًا، وقراراته حكيمة. أما من يتبع الشهوات فإنه يعيش في غفلة، ويصبح أسيرًا لأهوائه، فلا يستطيع أن يتأمل في آيات الله ولا أن يتدبر في خلقه. وقد ذكر الله في سورة الزمر آيات كثيرة عن الذين يتبعون أهواءهم، فهم في ضلال مبين. ولذلك فإن العلماء والمفكرين الذين قدموا للأمة أعظم الإنجازات، كانوا من أشد الناس عفةً وطهرًا.
كيف تحفظ العفة صحة الجسد وتقيه الأمراض؟
العفة تحمي الجسد من الأمراض الجسدية والنفسية التي تنتشر بسبب العلاقات المحرمة. فالزنا يؤدي إلى أمراض خطيرة كالإيدز والسيلان والزهري، ويسبب العقم والإجهاض، إضافة إلى الأضرار النفسية كالاكتئاب والقلق والندم. وقد أمر الله بالعفة لحكمة عظيمة، فهو يحفظ على الإنسان صحته وعافيته.
والعفة تشمل أيضًا حفظ الجوارح من كل ما يضر، كالسماع المحرم والمشاهدة المحرمة. فالأذن التي تستمع إلى الغيبة والفحش تفسد القلب، والعين التي تنظر إلى المحرمات تمرض الروح. وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يحفظون فروجهم، وهذا يشمل كل الجوارح. ولذلك فإن التطبيق العملي للعفة هو غض البصر وحفظ اللسان والاستماع إلى ما ينفع.
ما هي وسائل تحقيق العفة في الحياة اليومية؟
أول وسيلة لتحقيق العفة هي غض البصر، لأن النظرة تبعث على الشهوة. وقد أمر الله بذلك في الآية السابقة. والوسيلة الثانية هي حفظ الفرج، أي البعد عن كل ما يثير الشهوة. والوسيلة الثالثة هي الزواج لمن يستطيع، فقد حث النبي ﷺ عليه في الحديث السابق. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فالصوم يكسر الشهوة.
ومن الوسائل العملية أيضًا: تجنب الأماكن التي ينتشر فيها الفساد، وعدم الاختلاط المحرم، والابتعاد عن مشاهدة الأفلام والمسلسلات الخليعة، وملء الوقت بالطاعات وذكر الله. وقد قال العلماء: من أكثر من ذكر الله هان عليه كل شيء. ومن الأذكار النافعة أذكار الصباح والمساء، ومنها أذكار الوضوء التي يتطهر بها المسلم. يمكن للمسلم أن يستعين بتطبيق المسلم بلس في تذكيره بالأذكار والأدعية اليومية.
كيف نربي أنفسنا وأبناءنا على العفة؟
تربية النفس على العفة تحتاج إلى صبر ومجاهدة، وهي تبدأ من الصغر. فينبغي للوالدين أن يعلما أبناءهما غض البصر والحياء وعدم الاختلاط المحرم. وقد قال النبي ﷺ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ»، وقال أيضًا: «الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيرٍ»، فإذا نشأ الطفل على الحياء، كان ذلك سببًا في عفته في الكبر.
ومن التربية أيضًا تعويد النفس على الصيام، كما فعل السلف. فقد كانوا يصومون التطوع كثيرًا، وكانوا يوصون به الشباب. كما ينبغي أن نعلمهم أن العفة ليست حرمانًا بل هي حماية وراحة. فمن عفّ في الدنيا، أبدله الله خيرًا منها، كما قال تعالى: «وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ»، وهذا يشمل الطيبين من الرجال والنساء.
إن العفة خلق عظيم يجمع قوة النفس وكمال العقل وصحة الجسد، وهي علامة على الإيمان والتقوى. وقد جعل الله لها أجرًا عظيمًا في الدنيا والآخرة. فمن أراد أن يعيش حياة طيبة، فعليه بالتحلي بالعفة، مستعينًا بالله وبالوسائل المشروعة كالصيام والزواج. ولا تنسَ أن تذكر الله دائمًا، وتستخدم تطبيق المسلم بلس لمساعدتك على الطاعات وتذكيرك بالصلاة والأذكار. حمّل التطبيق الآن وابدأ رحلة التحلي بالعفة والطهر.
Sources vérifiées
Citations recoupées mot pour mot avec le corpus canonique (Coran / hadiths).
- Sourate Al-Muminoon, verset 5
- Sourate An-Noor, verset 30
- Sourate An-Noor, verset 26
- Sourate Ar-Rahmaan, verset 56
- Hadith n°5863 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°5478 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°8898 (Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°3055 (Narrated by Muslim – Narrated by Bukhari & Muslim) — grade : Authentic hadith
- Hadith n°65004 (Narrated by Muslim) — grade : Authentic hadith
