حكم قراءة القرآن للحائض ليس محل اتفاق بين المذاهب، ولا يصح اختزال المسألة في جواب واحد؛ فالتلاوة باللسان، ومس المصحف الورقي، والقراءة من الهاتف مسائل متمايزة. جمهور الفقهاء يمنعون الحائض من التلاوة، بينما أجازها علماء آخرون، ولا سيما عند الحاجة إلى التعليم أو المراجعة. أما مس المصحف فله بحث مستقل، والقراءة من شاشة جهاز لا تأخذ حكم المصحف الورقي عند عدد من أهل العلم.
هل يجوز للحائض قراءة القرآن؟ موضع الخلاف بين المذاهب
المعتمد عند فقهاء المذاهب الأربعة منع الحائض من تلاوة القرآن بلسانها زمن الحيض، مع اختلافهم في بعض التفاصيل والاستثناءات. وفي المقابل، أجاز بعض أهل العلم لها القراءة، محتجين بأن الحيض يطول عادة، وأنه لا يوجد نص صريح ثابت يمنعها من التلاوة. لذلك فالمسألة خلافية، ولا ينبغي عرض أحد القولين على أنه إجماع.
لماذا فرّق الفقهاء بين الحائض والجنب؟
استند المانعون إلى أحاديث وآثار في منع الحائض والجنب من قراءة القرآن، وإلى قياس الحيض على الجنابة. لكنهم يفرّقون في مدة العذر: الجنب يستطيع الاغتسال غالبًا في الحال، أما الحيض فيستمر أيامًا، ولذلك رأى بعض العلماء أن القياس بينهما لا يلزم، وأن الحائض قد تحتاج إلى التلاوة للتعلم أو المراجعة. ومن النصوص التي يستدل بها في التفريق بين أحكام الحيض قوله تعالى: «وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ» (سورة البقرة، الآية 222). والآية تتناول أحكام المعاشرة زمن الحيض، ولا تنص بذاتها على حكم تلاوة القرآن.
ما دلالة حديث قراءة النبي ﷺ في حجر عائشة؟
ورد عن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَكِّئُ فِي حِجرِي، فَيَقرَأُ القرآن وأنا حَائِض» (رواه البخاري ومسلم). يدل الحديث بوضوح على أن الحائض ليست ممنوعة من سماع القرآن أو الاقتراب من موضع تلاوته، لكنه لا يحسم وحده مسألة أن تقرأ هي بلسانها؛ فهذه هي موضع الخلاف بين الفقهاء. ويمكن مراجعة عرض أوسع للأدلة في فتوى قراءة القرآن أثناء الحيض في موقع الإسلام سؤال وجواب.
القراءة من الحفظ ومسّ المصحف: مسألتان مختلفتان
إذا قرأت المرأة آيات من حفظها، فهذه تلاوة، وحكمها هو موضع الخلاف المذكور. أما فتح المصحف الورقي ولمس صفحاته فمسألة أخرى تتعلق بالطهارة ومس المصحف؛ فلا يلزم من القول بجواز التلاوة من الذاكرة جواز لمس المصحف مباشرة، كما لا يلزم من منع المس منع الذكر أو الدعاء بألفاظ قرآنية إذا قصدت به الدعاء.
حكم لمس المصحف الورقي
جمهور الفقهاء يشترطون الطهارة لمس المصحف، ويمنعون الحائض من مسه مباشرة. ومن احتاجت إلى تقليب الصفحات يمكنها استخدام حاجز كالقفاز أو قطعة قماش، مع العلم أن تفاصيل حكم الحائل تختلف في بعض المذاهب. ومن أرادت التوسع في آداب القراءة وأحكام الطهارة والتدبر والإنصات، فلتراجع آداب تلاوة القرآن والطهارة والتدبر والإنصات.
كيف تطبقين الفرق عمليًا؟
للمراجعة من الذاكرة، اختاري القول الفقهي الذي تطمئنين إليه في حكم التلاوة، ولا تخلطيه بحكم لمس المصحف. وإذا أردت القراءة من نسخة ورقية، فاجعلي مس المصحف بحائل وفق ما تأخذين به من قول فقهي. أما الذكر والدعاء، فهما ليسا تلاوة مقصودة لمجرد أن بعض ألفاظهما توافق آيات.
قراءة القرآن للحائض من الهاتف أو الحاسوب
يجيز عدد من أهل العلم القراءة من الهاتف أو الحاسوب للحائض؛ لأن الجهاز لا يُعد مصحفًا ورقيًا، والآيات تظهر على الشاشة ثم تزول أو تتغير، فلا تكون الكتابة فيه كالنص الثابت في صفحات المصحف. لكن هذا التفريق يتعلق بمس المصحف، ولا يرفع الخلاف في أصل التلفظ بالآيات: فمن أخذ بقول المنع من التلاوة لا يصبح قوله بالجواز لمجرد أن القراءة من شاشة.
استخدمي الشاشة للمراجعة دون مس المصحف
يمكنك فتح الآيات على جهازك ومتابعتها بالنظر، مع مراعاة حكم التلاوة الذي تعملين به. وإذا أردت الاستماع بدل القراءة، أو متابعة السور صوتيًا، يمكنك تصفّح سور القرآن الكريم والاستماع إلى تلاوتها. ولا تخلطي بين لمس شاشة الهاتف وبين مس المصحف الورقي، فهما صورتان مختلفتان في بحث الفقهاء.
متى تُراعى الحاجة إلى التلاوة أثناء الحيض؟
ذكر بعض أهل العلم جواز التلاوة للحائض عند الحاجة، مثل أن تكون معلمة تحتاج إلى تلقين الطالبات، أو طالبة تخشى نسيان محفوظها، أو من تراجع مقدارًا محددًا. وهذه رخصة أو وجه فقهي معتبر عند من قال به، وليست حكمًا متفقًا عليه بين المذاهب؛ فالجمهور يبقون على المنع من التلاوة، بينما يجيزها آخرون من غير اشتراط الحاجة.
اختاري طريقة تناسب حاجتك والقول الذي تتبعينه
إن كان المطلوب حفظًا أو مراجعة، فحددي أولًا هل ستقرئين من الذاكرة أم من جهاز أم من مصحف ورقي؛ فلكل صورة حكمها. ويمكنك عند الأخذ بقول المنع أن تراجعي بالنظر أو الاستماع من غير ترديد، أو أن تؤجلي التلاوة إلى الطهر إن لم يترتب على ذلك تفويت درس أو نسيان محفوظ. أما إذا كانت لك حالة شخصية أو التزام تعليمي لا تستطيعين تأجيله، فاسألي عالمة أو عالمًا موثوقًا عن تنزيل القول المناسب على حالتك.
أسئلة شائعة
هل يجوز للحائض الاستماع إلى القرآن؟
نعم، يجوز لها الاستماع إلى القرآن، ولا يشترط للاستماع أن تكون على طهارة من الحيض. ويمكنها متابعة التلاوة من قارئ أو تسجيل، مع التفريق بين الاستماع وبين ترديد الآيات باللسان، فالترديد يدخل في خلاف حكم التلاوة.
الخلاف في قراءة الحائض يتعلق بالتلاوة نفسها، أما مس المصحف الورقي فمسألة مستقلة، والقراءة من شاشة الجهاز ليست كلمس صفحاته. حددي حاجتك وطريقة القراءة، ثم اعملي بالقول الفقهي الذي تتبعينه دون أن تنسبي إلى المسألة اتفاقًا غير موجود.
المصادر المذكورة
رُوجع كل نص مقتبس حرفًا بحرف مع نص القرآن والأحاديث في قاعدة بياناتنا.
هيئة تحرير المسلم بلس · جُرِّب في 27 أكتوبر 2026
