كان المسلمون يتوجهون في الصلاة إلى بيت المقدس، ثم أمر الله نبيه محمدًا ﷺ والمسلمين بالتوجه إلى المسجد الحرام في مكة. وتبين آيات سورة البقرة سبب التحويل ومعناه، بينما تروي الأحاديث كيف استدار بعض المصلين إلى الكعبة حين بلغهم الخبر وهم في الصلاة. أما التفاصيل الشائعة عن لحظة التحويل ومدته، فليست كلها على درجة واحدة من الثبوت.
ماذا تقول آيات تحويل القبلة في سورة البقرة؟
تبدأ الآيات بذكر اعتراض المعترضين على تغيير القبلة، وتقرر أن المشرق والمغرب لله، وأن الهداية بيده. قال الله تعالى: «۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ» (سورة البقرة، الآية 142). فالمقصود ليس أن جهة بعينها تملك الهداية، بل أن الله هو الذي يشرع للمؤمنين ما يتبعونه.
الآية 143 تشرح معنى الامتحان
تصف الآية الأمة بأنها وسط، وتوضح أن القبلة السابقة كانت اختبارًا يظهر به من يتبع الرسول ممن يرجع عن طاعته. قال تعالى: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ» (سورة البقرة، الآية 143). وتطمئن الآية المسلمين إلى أن صلاتهم السابقة لم تضع.
الآية 144 تأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام
تذكر الآية أن النبي ﷺ كان يرفع وجهه إلى السماء انتظارًا لما يرضيه الله، ثم جاء الأمر الصريح بالتوجه إلى المسجد الحرام: «قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» (سورة البقرة، الآية 144). ثم تؤكد الآيتان 149 و150 الحكم، وتأمران بالتوجه إلى المسجد الحرام حيثما كان المسلمون.
كيف وقع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟
كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة. ويروي البراء بن عازب أن الله أنزل الأمر في سورة البقرة، فتحول النبي ﷺ إلى الكعبة. ويثبت الحديث كذلك أن خبر التحويل انتقل سريعًا بين المصلين، لكن لا يلزم من ذلك الجزم بأن كل جماعة بلغها في اللحظة نفسها.
أهل قباء استداروا وهم في صلاة الصبح
يروي عبد الله بن عمر أن أهل قباء كانوا في صلاة الصبح ووجوههم إلى الشام، أي إلى جهة بيت المقدس، فجاءهم من يخبرهم أن النبي ﷺ أُمر باستقبال القبلة، فاستداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة. وهذا نص الحديث: «عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «بَينَمَا النَّاس بِقُبَاء في صَلاَة الصُّبحِ إِذْ جَاءَهُم آتٍ، فقال: إِنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليه اللَّيلةّ قرآن، وقد أُمِرَ أن يَستَقبِل القِبْلَة، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكانت وُجُوهُهُم إلى الشَّام، فَاسْتَدَارُوا إِلى الكَّعبَة». (رواه البخاري ومسلم).
رواية البراء تذكر جماعة في صلاة العصر
وفي حديث البراء بن عازب خبر رجل صلى مع النبي ﷺ بعد التوجه إلى الكعبة، ثم مرّ بجماعة من الأنصار يصلون العصر نحو بيت المقدس، فأخبرهم بما رأى، فتحولوا إلى الكعبة. فالروايات تذكر واقعتين في جماعتين مختلفتين: أهل قباء في الصبح، وجماعة من الأنصار في العصر. ولا ينبغي دمج الخبرين في حادثة واحدة أو نسبة تفاصيل غير مذكورة إليهما. ولمن أراد تفصيلًا في كيفية الاستدارة، يمكنه قراءة شرح كيفية استدارة الصحابة في الصلاة عند بلوغهم خبر تحويل القبلة.
لماذا تحولت القبلة، وما معنى الحادثة؟
تذكر آية التحويل أن النبي ﷺ كان يتطلع إلى قبلة يرضاها، فجاءه الأمر بالتوجه إلى الكعبة. لكن تحقق ما كان يحبه لم يكن اختيارًا مستقلًا عن الوحي؛ فالقبلة تحددت بأمر الله، وكانت استجابة النبي ﷺ والمسلمين امتثالًا له. لذلك لا يصح اختزال معنى الحادثة في رغبة شخصية وحدها.
التحويل أظهر صدق الاتباع
تشرح آية البقرة 143 أن القبلة السابقة كانت امتحانًا للاتباع، وأن الأمر الجديد أظهر طاعة من استجاب للرسول ﷺ. فالاختبار لم يكن في قداسة جهة دون أخرى، بل في امتثال المؤمنين لما شرعه الله في كل مرحلة. وتؤكد الآية نفسها أن الله لا يضيع إيمانهم، أي صلاتهم التي أدّوها إلى القبلة الأولى.
الكعبة قبلة بأمر الله لا بتأويل منفرد
تتضمن الآيات أمرًا واضحًا بالتوجه إلى المسجد الحرام، وتذكر أن تغيير القبلة أتمّ نعمة الله على المؤمنين وهداهم. ومن معاني اختيار الكعبة صلتها ببيت الله الحرام، لكن لا ينبغي حصر الحكمة كلها في تفسير واحد لا تنص عليه الآيات. الثابت أن المسلمين اتبعوا الوحي، وأن التوجه إلى الكعبة صار علامة جامعة لصلاتهم.
ما الذي نعرفه عن مدة التوجه إلى بيت المقدس؟
يذكر حديث البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا. وصيغة التردد في الرواية نفسها مهمة: فهي لا تجزم برقم واحد، ولذلك لا يصح عرض المدة على أنها محسومة بين هذين العددين.
الروايات لا تحسم مدة التحويل وتاريخه بالتفصيل
تتفاوت الروايات والنقول في تحديد مدة استقبال بيت المقدس وتاريخ نزول أمر التحويل، فلا ينبغي تقديم تاريخ دقيق كأنه محل اتفاق. وما يمكن الجزم به هنا هو ما ورد في حديث البراء: ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا. أما التفاصيل الزمنية الأخرى فتُذكر مع التنبيه إلى اختلاف الروايات، لا بوصفها حقائق قطعية.
أسئلة شائعة
كيف يحدد المسلم اتجاه القبلة من مكانه اليوم؟
يستطيع استخدام بوصلة موثوقة أو أداة تحدد اتجاه القبلة بحسب موقعه، ثم يتبع الاتجاه الذي يظهر له. ويمكنه معرفة اتجاه القبلة من مكانه باستخدام أداة القبلة، مع التأكد من تفعيل الموقع أو إدخال المدينة عند الحاجة.
انتقل المسلمون من استقبال بيت المقدس إلى الكعبة بأمر الله، وتوضح آيات البقرة أن التحويل كان امتثالًا للوحي وامتحانًا للاتباع. وتثبت الروايات أن بعض الصحابة استداروا في أثناء الصلاة عند وصول الخبر، مع اختلاف تفاصيل الواقعتين ومدتهما. ويمكنك الآن التمييز بين ما نصت عليه الآيات والأحاديث وما يبقى محل اختلاف في الروايات.
المصادر المذكورة
رُوجع كل نص مقتبس حرفًا بحرف مع نص القرآن والأحاديث في قاعدة بياناتنا.
هيئة تحرير المسلم بلس · جُرِّب في 25 أكتوبر 2026
